كُنتِ، فَصرتُ

مَلَكٌ يهذي

قبل عامين لو أتاني ملكٌ مُنزلٌ من السماء، وقال لي “بعد عامين من الآن، ستكون في جدة، تعمل في مقهىً، حيث القهوة والناس والقصص المختلفة، حيث المكان الذي تحب، وستجد حبّ حياتك، تُحِبُّ وتُحَبُّ، ستتزوج فتاةً تشبه كوبليهات طلال بعذوبتها، وارتجالات أم كلثوم بمفاجآتها، وألحان السنباطي بكمالها. فتاة في عينيها ترى أجمل الصباحات، وفي ضحكاتها تخرس ضجيج الشتات، وفي حديثها تكسر روتين أيامك ليهرب الملل من أقرب باب. ستعيش سنين سعيدة طويلة لا يُعلم مداها برفقتها”
لالتفتُ عليه بنصف نظرة وقلت له” معك دخان بس؟؟ ”

ودارت الأيام ومرّت الأيام

أتيت جدة، وحيث كنت فيها، تائه، ضائع، مشتت بين فقري وغربتي وقلة حيلتي، تخرج لي فتاة السرّ -هكذا سمّيتها في البداية- فتاة محمّلة بالكثير من الأسرار، من المفاجآت التي لا تنتهي. فتاة إن أرادت قول أحبك، تبعثها على شكل أغنية، وإن اشتاقت إليك ترسل لك اقتباسًا من كتاب، ولتكسر الصمت بينكما تحدثك عن فيلم قد شاهدته، فتتوه في حديثها، وتنسى الأغاني والكتب والأفلام، وتنسى نفسك بين شفتيها. تشدّك فتركّز على مخارج حروفها، حرف الهاء الذي يخرج على شكل آهٍ صغيرة، والجيم المنزلق، الخليط بين الجيم الحجازي والجنوبي، وحرف السين الذي يشبه أصوات عصافير الصباح، وضحكتها التي أصبحت أحد أركان هرم ماسلو خاصّتي.

أغنية، قصيدة، قَدَر

الشرارة الأولى كانت أغنية. صدح علي عبدالكريم بصوته: “ومرّني أجمل زمانه” ودقّ قلبي، وأزهرت الروح، وتسارعت أنفاسي، نعم، إنه الحب، يطرق باب قلبك يا مخلف، فانظر ماذا أنت فاعل! وحيث كنت أتمشّى ذات صباح في حيرتي، أتاني محمود درويش عبر الساوند كلاود، وبطريقة مفاجأة باغتني قائلًا بصوت الآمر الذي لا يمكن عصيانه: “من لا يحب الآن في هذا الصباح فلن يحب!”

لم أتردد، عزمت وشددت رحال قلبي إلى قلبك، إلى المستقر الأبدي الذي أريده لي ولقلبي الذي أنهكه الترحال.

منذ أن أحببتك، وأنا أفكر فعليًا في أمرٍ ما وأتساءل: هل كان كل ما مررت به اختبارًا؟ امتحانًا؟ ابتلاءً؟ وكنتِ أنتِ هبة الرحمن وهديته السماوية جزاء صبري وجلدي؟ ما الذي قد يأتي بشماليّ إلى جدة؟ 1300كم! تلك هي المسافة بين محافظتي الصغيرة وجدة!

سنين عطالة، نوبات اكتئاب، يأس، إلى أن وصلت إلى مرحلة اللا خسارة، ثم يأتيني عرض وظيفي في جدة، فأجدك هناك بانتظاري. ماذا لو أتاني عرض وظيفي في الرياض؟ أو في حائل؟ أو بقيت عاطلًا؟ هل تراني سأجدك؟ أعتقد وأكاد أجزم، نعم، سأجدك، لأن هذا هو قدرنا، أنتِ لست صدفة، ولا اختيار، أنتِ قدر كُتِبَ لي، ورُتّبَ بيد الرحمن، تفصيلةً تفصيلة، كل حدث مررت به في السابق كان يؤدي إليك من حيث لا أعلم.

الآن فهمت كيف يُكتب القدر، فهمته من خلالك، من خلالي، كل عثرة لم تكن سقوطًا، بل ارتقاءً إليك، كل بكاءٍ كان ضحكةً مؤجلة، كل اكتئاب كان فرحًا منتظرًا، وكل يأس كان دعوة أمل.

آه من قيدك ” أزهى” معصمي

١٥ رمضان ١٤٤٠ أصبحنا زوجةً وزوجًا، وابتدى المشوار كما يقول حليم. أعتب كثيرًا على من يقول “أجمل نهاية للحب هي الزواج”. الحب لا ينتهي بالزواج، بل البداية الفعلية للحب هي الزواج، حيث الرفقة، حيث العشرة، حيث المشاركة في السراء والضراء، في أوقات الفراغ والانشغال. الملل مشترك، والابتهاج مشترك، واللقمة مشتركة. وهل هنالك أجمل من أن نتشارك كل تفاصيل حياتنا سويةً يا حبيبتي؟
هاتي يدك يا حبيبتي، يا زوجتي، بل هاتي يديك يا أماني من الخوف، يا مستقرّي من كل هذا الهرب الذي مارسته، هاتي يديك يا ملاذي من الحشود، يا من لملمتْ ضياع روحي، ورتّبتْ شتات أفكاري. هاتي يديك ولنعبر طريق الحب والحياة سويةً لا خوف علينا ولا حزن يعكّر صفونا. لنعبر الطريق بكل أمل، سلاحنا الحب ودرعنا عن “صواديف الأيام” ضحكاتنا.

كل عام وأنتِ بقلبي، كل عام وأنا بخير بحبك، كل عام وأنا أردد “خُلق الحب، لأحبك” كل عام وأنتِ حبيبتي وزوجتي وصديقتي ورفيقة أيامي، كل عام والخير منك وفيك وإليك.

*ملاحظة: في العيد القادم سنحتفل تحت سقف واحد، في بيت عمرنا، بإذن المولى.

حبيبك الذي أصبح حبيبك وزوجك: مخلف الزيدان.

الإعلانات

لا شيء

-ما بك؟

-لا شيء

-لاشيء!؟ مستحيل، لم تعد مخلف الذي أعرفه، أخبرني ما خطبك يا صديقي؟

-قلت لك، لا شيء، فعلًا لا شيء. إنني فارغٌ تمامًا من كل شيء، إلا من ذلك الوحش.

-أي وحش؟

-ألا تراه؟ هذا الذي يجثم على صدري، إنه ثقيل للغاية، وكل يوم يكبر حجمه ويزداد وزنه، إنه يثقلني ويثقل حركتي، حتى مشيتي تغيّرت، بعد أن أخذتُ قامة أبي الطويلة ورأسه الشمّري الشامخ، ها أنا ذا أمشي مطأطئ الرأس ذابل الكتفين، ولا يزال ذلك الوحش يجذبني للأسفل، ولا أعلم متى أسقط.

-إنك مكتئب قليلًا يا صديقي

-ههههإي، أنت لا تعرف شيئًا يا صاحبي، اكتئاب؟ هل هذه نكتة؟ وقليلًا أيضًا!؟ هههههإي

-لا لا لم أقصد ذلك، أرجوك لا تفهمني بشكل خاطئ، أنا أريد فقط أن أفهمك وأهوّن عليك قليلًا

-لا عليك، لم أعد أفهم شيئًا في هذا العالم، حتى نفسي، لم أعد أفهمها وأعرف مفاتيحها.

-ماذا تقصد؟

-لم تعد تلك الأشياء التي تسعدني، تسعدني

-لماذا؟ ما الذي حصل؟

-لا أعرف بالتحديد، وكأني دخلت مرحلةً جديدة، تغيّرت بالكامل، لم أعد أعرفني

-اشرح لي ما الذي تغيّر بالتحديد؟

-أتعرف أغنية الشحرورة ساعات ساعات؟

-نعم أعرفها

-بالضبط تمثّلني، ولكن حالتي بالأسابيع وليست بالساعات، من الواضح أن حالة الشحرورة كانت بسيطة، رحم الله ذلك الوجه الذي يشعّ نورًا وحياة.

-كل إنسان يمرّ بحالات كهذه يا صديقي، الدنيا مش صافية على طول.

-لا لا، هذه المرة ليست مثل كل مرة، أنا أعرف نوبات اكتئابي جيدًا وتأقلمت معها، ولكن هذه؟ إنه شيء أقوى من الاكتئاب، أتعرف ماذا تسمّي حبيبتي نوبات اكتئابي؟ تسميها “الدورة الشهرية” هههههإي على أنه أمرٌ مضحك إلا أنه مماثل بحدٍ كبير، إن روحي تنزف مع كل نوبة، وألم مرتكزٌ في منتصف الصدر.

-حدّثني عن الوحش الذي يجثم على صدرك.

-لا أعرف شكله بالتحديد، ولكنه ثقيل للغاية، يجثم على صدري ويسحبني للأسفل حتى صارت مشيتي بهذا الشكل المريع، إنه يلوّث روحي ويملؤ رأسي بالأصوات والضوضاء الغير مترابطة.

-أصوات؟ مثل ماذا؟

-سجّل عندك، أبواب تغلق بقوة، صراخ طفل، محركات طائرة، أشخاص يثرثرون بكلام غير مفهوم، ألم تتساءل يومًا عن سرّ غنائي المتواصل في كل مكان واستماعي المفرط للموسيقى وقراءتي النهمة وكتاباتي الكثيرة؟

-لأنك تحب ذلك؟

-نعم أحب ذلك، ولكن خذ عندك هذا السر الذي لا يعرفه أحد، إنني أغني وأقرأ وأكتب وأستمع للكثير من الأغاني فقط لكي أُسكت هذه الأصوات التي تملؤ رأسي أو على الأقل أخفف من ضوضائها قليلًا.

– …….

-أشعر أني أريد أن أهرب، ولا أدري لأين، كنت أخاف من المستقبل، أما الآن فكل شيء يحاصرني، خوف المستقبل واضطراب الحاضر وذكريات الماضي، محاصر فعلًا ولا أعتقد أن الحليب التركي سوف يخفف عني هذا الحصار

-لماذا لا تواجه هذا الحصار؟ اعتدت أن أراك شجاعًا

-الأمر ليس متعلقًا بالشجاعة، صدر الشمالي لم يعد شماليًا

-هوّن عليك يا صاحبي أرجوك

-إنني أفسد كل شيء يا صاحبي، علاقاتي، صداقاتي، مشاريعي، والناس لا تعذر، ولا ألومهم من يتحمل إنسانًا مثلي، أنا لم أعد أطيق نفسي حتى أنتظر تقبّل الناس لي، أريد أن أهرب من نفسي، أن أُخلق من جديد، بنفسٍ جديدة وذكريات جديدة وإدراك جديد، حتى ولو كان إدراك نملة، لا مانع لدي.

-لعنة تلعنهم، أنا هنا معك ولن أتخلى عنك

-الله! هل تريد تقبيلي الآن هههههإي

-ظريفٌ فعلًا

-المهم، شكرًا لاستماعك لثرثرتي التي لا تودّي ولا تجيب، يجب أن أذهب لدي موعد يجب أن أستعد له.

-موعد؟ أي موعد؟

-موعد غرامي مع ملك الموت.

ثقتهم وشكّي

كم تمنّيت أني واثقٌ من أي فكرة وثوقًا تامًا، أشعر أنني أصبحت مدمنًا لهواية الشك في أي شيء، لا للوصول إلى يقين الفكرة، بقدر ما هو شكٌ للشكّ فقط.

حين أرى المتديّنين يدافعون بكل ضراوة واستبسال عن معتقداتهم وأفكارهم، ينتابني شعور غريب، خليط بين الريبة والغبطة من كل هذه الثقة التي يحملونها لأفكارهم ومعتقداتهم. كذلك هم العلمانيين والملاحدة والليبراليين وغيرهم ممن يؤمنون بأفكارهم إيمانًا تامًا ويعقدون ألف محاضرة وألف ندوة لنشر أفكارهم ويدافعون عنها ضد منتقديهم أشدّ الدفاع.

كل هذه الثقة تصيبني بالإحباط والشك أيضًا. أشعر وكأني في غرفة باهتة الملامح، غير واضحة التضاريس، لا تعلم أين الزاوية والباب والنافذة، لا أعلم هل هي سوداء للظلمة، أم بيضاء للسطوع المعمي، أشعر وكأني في المنتصف، وقد أكون في مؤخرة الغرفة عند برميل القمامة، أو عند الباب تمامًا، وكأني أنتظر شخصًا لن يأتي.

هذا ليس ادّعاءً بأن ثقتهم غباء وشكّي ذكاء، لا لا أبدًا، فأنا كما قلت، أشكّ في ثقتهم وأشكّ في شكّي أيضًا، وربما وصلت لأن أشكّ في شكّي لشكّي في نظريّتي الشكّيّة. هههههههإي، لقد أصبح لدي نظريّتي الخاصة !! لا يهم..

باعتقادي، كي يكون الشخص واثقًا تمامًا من أفكاره كل هذه الثقة يجب أن يكون أحد أمرين، إما غبيًا جدًا، أو قاسِ القلب جدًا، أو كلاهما، غبيًا كي لا تأتيك التساؤلات تزعزع إيمانك وتبثّ في خلايا دماغك سمّ الشكّ، قاسِ القلب كي تتجاهل وتتغافل كل هذه الشكوك والتساؤلات، وتمضي مغمضًا عينيك متشبّثًا بإيمانك وثقتك بأفكارك رغم كل هذا. أعتقد أن هذه هي خلطة الثقة السريّة التي لن أتقنها.
كل هذا العالم من حولي أصابني بنوبةٍ شكيّة لا أعتقد أنها ستنتهي. أصبحت قليل الكلام، كثير الكتابة، أستعيض عن كل هذا الحديث والثرثرة التي تملؤني بالكتابة والغناء. من يريد أن يضيع وقته معي بالحديث عن شكّي في كل شيء؟ ولِمَ أصلًا يستمع إليّ؟ ما الفائدة التي سيأخذها من ثرثرتي؟ لأني أقولها وبكل صراحة، أنا شخصيًا لم أستفد كثيرًا من كل هذا الشك الذي يجتاح عقلي وأفكاري!

كم تمنّيت ثقتهم لأعلم أين هو موقعي من هذه الغرفة التي تدعوني للجنون والكتابة، ولكنّي أواسي نفسي من فترة لأخرى بعبارة أشكّ في صحّتها وأقول: “ربما كان شكّكَ خيرٌ من ثقتهم”.

كلما حاولت أن أكون مؤمنًا إيمانًا تامًا بفكرة ما، يغزوني الشكّ بأسطولٍ لا متناهٍ من التساؤلات التي ترغمي على الجلوس في تلك الغرفة، آملًا أن أكون في الزاوية بعيدًا عن زحمة المنتصف.

حوار مع صديقتي الوفيّة “فكرة الانتحار”

عادت من جديد، تلك الظلمة تجتاحني، تغطّيني من رأسي لأخمص قدمي، أفقد متعة الحياة والجوانب الإيجابية فيها.

في كل مرّةٍ تجتاحني هذه الظلمة التي تضغط على صدري وقلبي وتكاد تفجّر عقلي، تأتيني صديقة قديمة، اعتادت زيارتي في مثل هذه اللحظات، صديقة وفيّة لم تتركني وحيدًا أصارع ظلمتي وحدي، صديقتي “فكرة الانتحار” تُحاول  جاهدةً إقناعي بالتخلّص من كل هذه المعاناة والعذاب الذي يمزّقني.

البارحة بعد أن اكتسيت بالظلام وجلست أعدّ أيامي وأحسب اللحظات السعيدة فيها، ولحظات البؤس والعذاب، زارتني صديقتي “فكرة الانتحار” ودار بيننا حوار صريح ولطيف نوعًا ما.

قالت بدون مقدّمات: ألم تملّ من كل هذا؟ ستة وعشرون عامًا من العذاب ولم تزل تقارن بين أيامك السعيدة والحزينة؟

رحّبت بها ودعوتها للجلوس، ثم قلت: ماذا تريدين بالضبط؟

نظرَتْ إليّ بامتعاض شديد وقالت بنبرة حادّة: ماذا أريد؟ أريد مصلحتك، أريد خلاصك مما أنت فيه من عذاب وتشتت وضياع، بالله عليك كم مرةً وأنت تعيد هذه المقارنة والحسبة الغبية بين أيامك؟ تحاول جاهدًا أن تزرع في تاريخك القاحل زهورًا من خيال، استيقظ من غفلتك، أنا أعرفك أكثر من أيّ شخص، يؤلمني ويحرق قلبي أن أراك كل يوم على هذه الحالة، تبتسم تصنّعًا، تضحك مجاملًا، تُري الناس أنك بخير، والخير قد فرّ منك. أنا أعلم أنك ستنفجر يومًا ما، وتنتحر بطريقة بشعةٍ جدًا، لأجل هذا، أنا هنا، أدعوك مثل كل مرة آتيك، للانتحار على مهل، وبطريقة سهلة، تفكّر وتكتب وصيتك على راحتك، ومن ثم تنتحر، قبل أن تضطرّك أيامك المظلمة على اختيار أبشع طرق الانتحار.

صدمتني صراحتها، لأنني اعتدتُ عليها الخجل. أردفتُ قائلًا بارتباك واضح: ألا تعتقدين أن الوقت مبكّر قليلًا؟

نهضَتْ ووقفت أمامي مباشرةً وأمسكت بكتفي ثم قالت: كم مرّة قلت لي “الوقت مبكرًا على مثل هذا يا عزيزتي”!؟ منذ أربع سنوات ومنذ أول زيارة لي، وأنت تردد هذه العبارة ببجاحة لا تعي الواقع، أريد خلاصك وأنت تتهرب بهذه العبارة التافهة في كل مرة!!

أزحتُ يدها عن كتفي وصرت أمشي في الغرفة ذهابًا وإيابًا وأقول لها بصوت هادئ: أنتِ لا تعلمين شيئًا يا عزيزتي.

حاولَتْ مقاطعتي ولكنني أكملت: لا تعلمين شيئًا أبدًا، لو انتحرت الآن حسب خطّتك، ماذا عن حزن أمي؟ هل تعتقدين أن قلبها الضعيف يتحمّل صدمة أخرى؟ وأيّ صدمة، ابنها انتحر بالمستودع!! ماذا عن دموع حبيبتي؟ ماذا عن ليالٍ نامت فيها آملةً أن آتي مستقبلًا أطلب يدها، ونُكمل قصة حبنا بعيدًا عن صخب القبيلة والمجتمع!؟ هل أذهب وأتركها تعيش تعاسةً فوق تعاستها في هذا المجتمع البائس التعيس!؟ ماذا عن أحلامي؟ ماذا عن مخلف المغني العالمي الشهير، الذي أصبحت أغانيه مدرسة جديدةً في الأغنية السعودية والعربية؟ ماذا عن مخلف الروائي؟ مخلف الممثل؟ مخلف المناضل؟ ماذا عن كل هذه الأحلام؟ هل أترك كل شيءٍ هكذا وأرحل؟

قاطعتني بصراحة فظّة وقالت: أحلامك لم ولن تتحقق في هذا العالم.

ضحكت ثم قلت: لا بأس، ولكنني أعدك يا صديقتي، إن تأكدت تمامًا أن انتحاري لا يجلب مأساةً لأحد، سأنتحر قبل أن تأتين لإقناعي.

وقفَتْ عند باب الغرفة، ثم التفتت تتأملني بنظرة ازدراء وقالت: لم ولن تتغير، تفكّر في كل العالم، وكأنك مسؤول عنهم، فكّر بنفسك يا رجل، كن أنانيًا ولو مرةً وفكّر في مصلحة نفسك وروحك المعذّبة! ولكن لا بأس، هذه آخر زيارةٍ لي، وأذكّرك، أنك ستنتحر بطريقة بشعةٍ جدًا، وستندم أنك لم تستمع لي، ستندم.

ثم رحلَتْ، ولم تغلق باب الغرفة.

ميت على قيد الحياة ..

صباح الخير يا دفتري الصغير، صباح الخير يا قلمي الذي أصبح يابسًا من قلّة الكتابة، صباح الخير أيتها الكتابة.

هجرتكم طويلًا، أعلم ذلك، وأنا آسف جدًا، ليتكم تعذرونني، لأنني ضائع، أو شبه ضائع.

يومي البائس يذهب هدرًا على لا شيء، عزيمتي أصبحت تحت الصفر بقليل، والأسباب معلومة.
أحاول كل يوم استعادة عزيمتي التي فقدت، وجميع محاولاتي تبوء بالفشل.

أحاول ممارسة الرياضة كل يوم، ولا أقدر، أحاول أن أقرأ ١٠ صفحات، ولا أقدر، أحاول أن أكتب أي شيء عن أي شيء، ولا أقدر على حمل القلم، أحاول أن أطوّر من لغتي الإنجليزية، ولا أقدر، أحاول أن أستمع لمحاضرة علمية ودروس فلسفيّة، ولا أقدر، أحاول أن أستثمر وقتي أو على الأقل، ألتزم بجدول مهامي البسيط، ولا أقدر. هكذا يضيع الوقت من بين يدي، من حيث لا أدري ولا أحتسب.
أعتقد أن السبب وراء ذلك كله، هو انشغال فكري بأشياء ليس بيدي حيلة لتغييرها، بالوظيفة التي أبحث عنها، بمصدر عيش أكتفي به عن سؤال أحدهم قيمة علبة سجائري، بالله، بالشر، بالعدالة المفقودة، بالظلم، بالبائسين، بالوجود، بالغايات وراء الأحداث والأشياء، بالمستقبل الذي لا أعلم ملامحه، حتى أنني وصلت بالتفكير في مشاعر الملائكة وهم يعملون على خدمة الرب طيلة تلك السنين التي تفوق تصوّرنا وحسابنا لها؛ هل تعبوا؟ هل ملّوا من الروتين؟ هل فكّر أحدهم بتكرار ما فعله الثائر إبليس؟ هل هم يشعرون أصلًا؟

تفكيرٌ يجرّ تفكيرًا حتى يذهب يومي ووقتي بلا إجابة أو أدنى فائدة.
هل أنا سعيد بما يحصل لي؟ طبعًا لا، أجرّ خيبتي معي إلى فراشي كل ليلة. لا أنام لأنني متعب، بل أريد أن ينقضي هذا اليوم البائس بكل ما فيه من ضياع، حتى أستيقظ بيوم جديد وأمل جديد، ومن ثم يباغتني التفكير من حيث لا أعلم، ويسرق وقتي وجهدي وشغفي للحياة.
والمشكلة التي تؤرّقني، أنني لا أطلب مستحيلًا، ولو كتبت قائمةً لأمنياتي لضحكتم، وقلتم ما أتفهك وما أبسط أمانيك.
لا أريد تحرير العالم من الظلم والشرور، لا أريد أن أصبح بطلًا شعبيًا ثائرًا على الظلم والاستبداد، لا أريد أن أصبح مشهورًا تدرّ عليه إعلاناته الكاذبة ملايين الريالات، لا أريد أن أصبح مثقفًا فيلسوفًا يُحسب له ألف حساب، لا أريد كنوز الدنيا وأن أنافس أثرياء العالم بثراءهم، أمنياتي بسيطة جدًا، أبسط من ضحكة عجوز أو قلب طفلة، ومع كل هذه البساطة، أمنياتي لا تتحقق.

السبب أعتقد أنه يكمن فيني، داخل هذه الروح التائهة الضائعة في الوجود، وفي دماغي الذي أرهقه التفكير فيما لا يعنيه.

أعتقد أيضًا أن الضياع والتفكير أصبحا من هواياتي المفضّلة.

-ما هي هوايتك المفضّلة؟

-أن أكون ضائعًا حائرًا في مسائل وأمور لا تعنيني.

ههههههههإي، شيء مثير للضحك والسخرية حقًا.
هذا يوم جديد، وأرجو أن أتوقف عن ممارسة هاتين الهوايتين، ولو قليلًا، لأعيد التوازن لحياتي.

الشك .. نعمة أم نقمة؟


‏‏ماذا لو كنتُ جربوعًا نام خائفًا، ويحلُم أنه أصبح “إنسانًا” ناقمًا على البشرية؟
‏أنا أعاني من مرض اسمه التفكير والشك. ‏في الحقيقة لا أعرف هل هو مرض؟ هل هو نعمة؟ أم نقمة؟ أم نقمة بثوب نعمة؟ لا أعرف.

‏أصبحت أشك في معتقداتي وقناعاتي وأفكاري، في أي معلومة حصّلتها وسأحصّلها، في هذا الكون، في وجودي أنا، هل أنا أنا، أم حلم شخص آخر؟ ‏أنا أعاني.

‏أصبحت أتحاشى النقاشات بداعي ‏ماذا لو كنتُ على خطأ؟ ‏ماذا لو أنني أنظر للموضوع من الزاوية الخطأ؟ ‏ماذا لو خلفيّتي الثقافية كوّنت رأيًا ليس لي؟

‏في بعض الأحيان أستميت دفاعًا عن فكرة، ولكن سرعان ما يراودني سؤال يزلزلني “لماذا كل هذا التعصّب لفكرة احتمالية خطئها وصوابها متساويين؟”

‏اشتقت لمخلف القديم البليد، الذي يعود من عمله منهكًا وكل همّه متابعة مسلسله الرومانسي، وماذا يفعل مع أصدقائه في الإجازة.

‏لا أعرف، هل هو ذكي رغم بلادته حين أهمل التفكير، أم أنا الغبي الذي دخل متاهات الشك بقدميه.

‏الذي أعرفه ومتأكد منه أنني الآن أعاني.